ابن أبي الحديد

63

شرح نهج البلاغة

أقول من التعجب : ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام ( 1 ) ! فالبيت الأول لو ورد بمفرده لكان كناية ، لأنه لا يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز ( 2 ) ، فإذا نظرنا إلى الأبيات بجملتها ، كان البيت الأول المذكور استعارة لا كناية . ثم أخذ في الفرق بين الكناية والتعريض ، فقال : التعريض هو اللفظ الدال على الشئ من طريق المفهوم ، لا بالوضع الحقيقي ولا بالمجازي ، فإنك إذا قلت لمن تتوقع معروفه وصلته بغير طلب : أنا محتاج ولا شئ في يدي ، وأنا عريان والبرد قد آذاني ، فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب وليس اللفظ موضوعا للطلب ، لا حقيقة ولا مجازا ، وإنما يدل عليه من طريق المفهوم بخلاف قوله : ( أو لامستم النساء ) ( 3 ) ، وعلى هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح ، كقولك للمرأة : أنت جميلة ، أو إنك خلية وأنا عزب . فإن هذا وشبهه لا يدل على طلب النكاح بالحقيقة ولا بالمجاز ، والتعريض أخفى من الكناية ، لان دلالة الكناية وضعية من جهة المجاز ، ودلالة التعريض من جهة المفهوم المركب ، وليست وضعية ، وإنما يسمى التعريض تعريضا ، لان المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ المفهوم ، أي من جانبه .

--> ( 1 ) الاخبار الطوال : ( أقول ) ، وبعده في المثل السائر : فإن هبوا فذاك بقاء ملك * وإن رقدوا لا ألام وبعده في الاخبار الطوال : فإن يك أصبحوا وثووا نياما * فقل قوموا فقد حان القيام ( 2 ) في المثل السائر بعد هذه الكلمة : ( أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد ، وأنه سيضطرم ، وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شر كامن ، ومثله بوميض جمر من خلل الرماد ) . ( 3 ) في المثل السائر : ( بخلاف دلالة اللمس على الجماع ) .